[ لعب الشارع… وطفولة ضاعت في زحمة الكافيهات - بقلم- حلا الخالدي - لعب الشارع… وطفولة ضاعت في زحمة الكافيهات - بقلم- حلا الخالدي - | صحيفة بيان الإعلامية

0

 



 

بقلم- حلا الخالدي

كنا نلعب في الشارع، لا نعرف غير الحارة والفرجان، لا يعرف الواحد منّا «الآيفون» ولا «الواي فاي»، فقط يعرف كرة ملفوفة من الجوارب، أو عصا يجرّ بها غطاء علبة حليب، ويحسبها سيارة سباق. الشارع كان ملعبنا، والعيال هم كل أصحابنا. نضحك ونتهوش ونصطلح، نعود لبيوتنا مغبّرين، ولكن بصدور واسعة، وأرواح مرتاحة.

ذاك الزمن، رغم بساطته، كان مليئًا بالأمان. لم تكن أمهاتنا يحملن همًّا حين نخرج، ولا آباؤنا كانوا يخشون علينا من غريب أو شاذ. كانت الجيرة مثل العائلة، والعيون ساهرة على الكل. كنا صغارًا لكنّنا كبرنا بمعاني الرجولة، تعلمنا أن نستحي، وأن نغض الطرف، وأن نحترم الكبير حتى لو لم نعرف اسمه.

واليوم؟ تغيّرت الدنيا… صار الأولاد والبنات يلعبون في عالم آخر، ليس شارعًا ولا فناء بيت، بل طاولات مقاهي وكراسي كوفيهات. لا يُلام الجيل، بل نلوم ما أوصلهم إلى هناك. ترى بنتًا صغيرة بالكاد بلغت سن المراهقة، تخرج من مقهى، وتمسك هاتفها، وتضحك بصوت عالٍ، وكأن العالم كله يخصّها. لا حجاب، لا وعي، ولا حتى أم تسألها: “وين كنتِ؟”

صارت بعض الأمهات - للأسف - مشغولات عن بناتهن، إما بالهاتف أو بالتجمّل أو بمجرد الغفلة. وكأن البنت حين تكبر قليلاً تصبح “صاحبة قرار”، لكنها ما زالت صغيرة، تنقصها الخبرة، وتخدعها المظاهر، وتغريها الزينة. والمقهى – مهما كان راقياً – لا يرحم الساذج، ولا يربّي الصغار، بل يفتح لهم أبواب تقليد أعمى، وحوارات لا تليق بأعمارهم.

كل مرة أشوف بنت بسن صغير، لوحدها أو مع من لا نعرف، والله يتعب قلبي. ليس خوفًا عليها فقط، بل حزنًا على جيل ضيّع الحياء، واعتاد على الانفتاح قبل النضج. أين آباؤهم؟ أين الأمهات؟ هل صارت التربية تُؤجَّل لحين حدوث الكارثة؟

ولنعلم – نحن الآباء والأمهات – أن أبناءنا وبناتنا سيكبرون، وسيأتي يوم يكونون فيه على أعتاب الزواج وتحمّل المسؤوليات. فهل أعددناهم لهذا اليوم؟ هل حافظنا عليهم أمام المجتمع؟ هل رعيناهم حق الرعاية أمام الله؟ هؤلاء أمانة في أعناقنا، وسنسأل عنهم: عن أخلاقهم، عن تربيتهم، عن طُهر قلوبهم ونقاء سلوكهم. فلنمنحهم تربية تليق بهم، لا أن نتركهم فرائس لثقافات دخيلة وسلوكيات ضائعة.

لم يكن الشارع في زماننا مثاليًا، لكنه كان أنظف من كثير من زوايا اليوم. كان يعلمنا الرجولة، ويزرع فينا الشهامة، بينما أماكن التجمّع اليوم تُسحب الحياء من النفوس، وتُربي على اللهو قبل المسؤولية.

وختامًا… لسنا ضد الترفيه، ولا ضد أن يخرج الشاب أو الفتاة. لكننا نخشى حين يغيب الرقيب، ويُترك الطفل ليجرب الحياة بجهله. الزمن تغيّر، نعم… لكن الأمان لا يُشترى، ولا الحياء يُستعاد إن ضاع




Kommentar veröffentlichen

جميع الردود تعبر عن رأي كاتبيها فقط ، وحرية النقد متاحة لجميع الأعضاء والقراء والقارئات الكرام بشرط ان لايكون الرد خارج نطاق الموضوع وأن يكون خال من العبارات البذيئة وتذكر قول الله تعالى " مايلفظ من قول الا لديه رقيب عتيد" صدق الله العظيم

 
الى الاعلى