[ في أحضان النهر… وداع طفلٍ لم يكتمل حلمه/ بقلم - ناصرمضحي الحربي في أحضان النهر… وداع طفلٍ لم يكتمل حلمه/ بقلم - ناصرمضحي الحربي | صحيفة بيان الإعلامية

0

 


✍🏻 ناصر مضحي الحربي :

في أرضٍ خضراء تحتضنها الجبال وتغنيها الجداول، كانت طرابزون تُهدهد يومًا جديدًا على وقع زخات المطر… لكن خلف جمال الطبيعة، كان قدرٌ ثقيل يُنسج في الخفاء. ففي بلدة أوزونغول، حيث يلتقي سكون الجمال بصفاء الماء، خطف نهر هالديزن زهرةً غضّةً من بين أحضان الحياة، وترك خلفه وجعًا لا يُحتمل، وقلوبًا يعتصرها الأسى.

فيصل رمزي الشيخ، طفل سعودي، لم يكن يتجاوز أحلام الطفولة، ولا زالت ضحكته ترتجف في الذاكرة كنسمة ربيعية مرت بخفة واختفت. ستة أيام مضنية من البحث، من الدعاء، من الرجاء الذي تآكل بين حنايا الخوف، حتى جاء الخبر كخنجر صامت: وُجد الجسد الصغير، لكنه عاد بلا روح، بلا أمل، عائدًا من بين يدي النهر شاهداً على هشاشة الإنسان أمام قسوة الطبيعة.

كانت الأمطار حينها أقسى من المعتاد، وكان النهر جائعًا، متقلب المزاج، لا يعترف ببراءة الصغار ولا برجاء الأمهات. حمل فيصل في غفلة من الجميع، ومضى به إلى مصيرٍ لا رجعة منه، بينما كانت أسرته تسابق الزمن والصلاة، تتعلق بكل خيط من خيوط الرجاء، لكن الوداع جاء موجعًا، جامدًا، لا عزاء فيه إلا التسليم.

ومع أول نبأ للفقد، لم تكن الأسرة وحدها. تحركت سفارة المملكة، تمدّ يد العزاء وتشد أزر الحزن، وشاركت فرق الإنقاذ التركية في سباق الأمل، حيث لم يُوفّر جهد، ولم تُطفأ شعلة بحث رغم قسوة الطقس وصعوبة التضاريس. كل ذلك، لأجل فيصل… لأجل الإنسانية التي لا جنسية لها حين يحلّ المصاب.

هذه المأساة لا تُقرأ كخبرٍ عابر، بل كنداءٍ عميق عن هشاشة اللحظة، وعن نعمة الأمان التي نتقلب فيها دون أن ندرك فداحة فقدها. هي تذكرة بأن الحياة لا تعد بشيء، وأن المصير قد يكون موجة عاتية، أو لحظة عبور خاطفة. لكنها أيضًا تذكرة بجميل التكاتف الإنساني، حين تتوحد القلوب، وتتخطى الحدود لتقول: “لسنا وحدنا في حزننا.”

رحم الله فيصل، الطفل الذي أراد له القدر أن يعود إلى الأرض عبر الماء، وأن يتركنا نكتب له مرثية صغيرة، نغزلها من دموع أمه، ومن ارتجاف أبيه، ومن حزن قلوب لا تعرفه لكنها بكت عليه.

نام بسلام يا صغير النهر… فقد صرت في ضيافة الله، حيث لا خوف ولا برد ولا دموع .

Kommentar veröffentlichen

جميع الردود تعبر عن رأي كاتبيها فقط ، وحرية النقد متاحة لجميع الأعضاء والقراء والقارئات الكرام بشرط ان لايكون الرد خارج نطاق الموضوع وأن يكون خال من العبارات البذيئة وتذكر قول الله تعالى " مايلفظ من قول الا لديه رقيب عتيد" صدق الله العظيم

 
الى الاعلى